لمشاهدة الفيديو اضغط الزر بالاسفل
أثار ظهور صور ومقاطع لمقاتلات صينية مغطاة بشبكات ليفية أشبه بقطع القماش الخشنة جدلًا واسعًا في الأوساط العسكرية والإعلامية، حيث اعتبر البعض أن بكين طورت تقنية جديدة تجعل الطائرات أقل ظهورًا على الرادار باستخدام مادة بسيطة للغاية تشبه “الليفة”. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا العسكرية غالبًا ما ترتبط بالمعادن المعقدة والأنظمة الإلكترونية المتطورة، فإن هذا الابتكار غير المتوقع أثار تساؤلات حول مدى فعاليته، وهل هو مجرد تمويه بصري، أم أنه بالفعل جزء من منظومة إخفاء راداري متقدمة تعتمد على مواد ماصة للموجات؟ انتشار الصور أعاد النقاش حول سباق التخفي بين القوى الكبرى، خاصة بين الصين والولايات المتحدة، نظرًا لتأثير مثل هذه التقنيات على التكافؤ العسكري في أي نزاع محتمل.
الفكرة العامة وراء تغطية الطائرات بشبكات ليفية
الفكرة الأساسية تعتمد على تغطية المقاتلة – سواء كانت من طراز J-20 أو طائرات أخرى – بشبكة مصنوعة من خيوط نسيجية سميكة أو ألياف خاصة، يتم ترتيبها بطريقة عشوائية فوق جسم الطائرة. هذه الخيوط تعمل على تشتيت موجات الرادار القادمة، بدلًا من ارتدادها بشكل مباشر، مما يقلل من “البصمة الرادارية” للطائرة عندما تكون متوقفة على الأرض أو أثناء عمليات الصيانة. هذه المواد لا تجعل الطائرة غير مرئية كليًا، لكنها تخدع الرادارات قصيرة المدى، خاصة تلك المستخدمة في الأقمار الصناعية أو الطائرات المسيرة التي تلتقط صورًا من ارتفاعات منخفضة. بكين لم تعلن رسميًا عن طبيعة المواد، ما جعل التحليلات تعتمد على صور الأقمار الصناعية والتقارير التجريبية.
كيف تعمل المواد الماصة لموجات الرادار؟
التقنيات المستخدمة في التخفي عادة تعتمد على نقطتين: الأولى تصميم هندسي يشتت الموجات، والثانية مواد تمتص جزءًا كبيرًا من الإشعاع الراداري. هنا تأتي أهمية الألياف الليفية التي تبدو بسيطة، لكنها ربما تحتوي على معادن دقيقة أو كربون نشط يقوم بامتصاص الموجات. كلما زادت الطبقات فوق جسم المقاتلة، قلّت كمية الموجات المرتدة، وبالتالي تنخفض قدرة الرادارات على رسم صورة واضحة. بعض التقديرات تشير إلى أن الصين قد تكون استخدمت مواد مشابهة لتلك الموجودة في الطائرات الشبحية ولكن بتطبيق خارجي يمكن إزالته بسهولة، وهو ما يمنح المرونة خلال تحريك الطائرات أو إخفاء عددها الحقيقي على الأرض.
هل الهدف خداع الرادار أم خداع الأقمار الصناعية؟
الابتكار لا يستهدف رادار الطائرات فقط، بل بشكل خاص الأقمار الصناعية التجسسية التي تلتقط صورًا مستمرة للمطارات العسكرية. عبر شبكات الليف، تظهر الطائرة في الصور وكأنها كتلة مشوهة وغير واضحة، مما يجعل برامج التحليل الآلي تفشل في تحديد نوعها وعددها. وقد يكون الهدف أيضًا تضليل الخصوم بشأن تطويرات عسكرية جديدة أو أعداد المقاتلات الجاهزة للقتال. الصين معروفة بسياسة الإخفاء وعدم كشف قدراتها العسكرية، وبالتالي يوفر هذا الغطاء أداة إضافية للتعتيم على نشاطها الجوي.
مقارنة مع تقنيات التخفي الأمريكية والروسية
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة وروسيا عادة على طلاءات شبحية دائمة تُضاف إلى جسم الطائرة نفسها، بينما يبدو أن الأسلوب الصيني يميل إلى حلول مرنة ورخيصة التكلفة. فبدلًا من تعديل هيكل الطائرة بالكامل، قد تكون بكين اختارت حلاً بديلًا يمكن تثبيته وإزالته بسهولة. رغم ذلك، تبقى فعالية “الليف” مقارنة بالطلاءات المكلفة محل نقاش واسع؛ إذ لم تتوفر بعد تقارير موثقة تثبت قدرتها على مواجهة الرادارات عالية التردد المستخدمة لدى الجيوش المتقدمة. لكن ميزة الصين هنا أنها قد تركز على تقليل ظهور الطائرات على الأرض فقط، وهذا كافٍ لتحقيق ميزة استراتيجية.
لماذا يلجأ الجيش الصيني لهذه الحيلة الآن؟
التوقيت يشير إلى تصاعد التوترات في بحر الصين الجنوبي، ورغبة بكين في تعزيز قدراتها على إخفاء نشاطها الجوي، سواء أمام الولايات المتحدة أو دول الجوار. كما تسعى الصين لسد الفجوة الهائلة بينها وبين التكنولوجيا الشبحية الأمريكية، فتستخدم أي ابتكار قابل للتطبيق حتى لو بدا بسيطًا من الخارج. ومن المحتمل أن الجيش أراد أيضًا حماية المقاتلات أثناء توقفها في العراء خلال أعمال الصيانة أو النقل الداخلي، حيث تكون أكثر عرضة للرصد من الفضاء عبر الأقمار الصناعية العسكرية الأمريكية.
هل يمكن لهذه الشبكات إخفاء الطائرة أثناء الطيران؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع: لا. الشبكات الليفية مصممة غالبًا للاستخدام على الأرض فقط. أثناء الطيران، تعرّض الطائرة لتيارات هوائية عالية قد يمزقها بسهولة أو يجعلها تعطل آيروديناميكية الطائرة. وبالتالي، هدفها يقتصر على مراحل محددة: التخزين، النقل، التمويه الأرضي، وحماية المعلومات العسكرية الحساسة. أما التخفي الجوي فيتطلب دمج المواد الماصة داخل هيكل الطائرة نفسه، وهو ما تفعله الصين بالفعل مع المقاتلة J-20 ذات التصميم الشبحى.
حقيقة الجدل حول “بساطة الشكل”
الكثير من المتابعين أبدوا دهشتهم من شكل الشبكات لأنها تبدو أقرب لبطانية سميكة أو قطعة “ليفة” منزلية. بعضهم سخر من الفكرة، لكن خبراء عسكريين أشاروا إلى أن البساطة ليست دليلًا على ضعف التقنية. فالكثير من التقنيات المتقدمة تُخفى داخل مواد تبدو عادية جدًا. فالتمويه العسكري عبر التاريخ اعتمد على القماش، والألوان، والشباك المموهة، والهدف هو إحداث تشويش بصري وراداري وليس بناء درع فولاذي. لذلك، لا يمكن الحكم على هذه الشبكات من مظهرها فقط، بل من نتائجها الفعلية التي قد لا يُعلن عنها رسميًا.
كيف ستؤثر هذه التقنية على موازين القوى؟
إذا أثبتت الألياف الجديدة فعاليتها، فقد تغيّر شكل التنافس بين القوى الكبرى، لأنها ستسمح للصين بإخفاء جزء كبير من قدراتها الجوية، وهو ما يجعل حسابات الخصوم أكثر صعوبة. لا يتعلق الأمر فقط بالسلاح، بل بإدارة “عدم اليقين”. كلما قلّ وضوح المعلومات حول نوع الطائرات وعددها، ارتفعت تكلفة التخطيط العسكري على أي جهة معادية. وقد يكون ذلك هدفًا استراتيجيًا أكبر من التكنولوجيا نفسها. فالتمويه جزء أساسي من الحرب النفسية والعسكرية، ويمثل ورقة ضغط لا يمكن تجاهلها.