شعرت بالدوار. العالم كله كان كذبة. “وأنت؟ لماذا تتظاهر بالشلل؟” لمح البرق في عيني آدم: “لأني الشاهد الوحيد على أن والدي هو من أطلق النار على سيارتي ليقتلني حين عرفت حقيقته. أنا أراقبهم جميعاً من هذا الكرسي.. أنا أنتظر اللحظة المناسبة لتدمير إمبراطورية عثمان من الداخل.”
فجأة، رن هاتف آدم الخاص (الذي يخفيه). كانت رسالة نصية، قرأها وتغيرت ملامحه تماماً. “ليلي، لا وقت للبكاء. الضيوف الذين تحدث عنهم والدي هم ‘المصفون’. لقد قرروا أن وجودك في القصر لم يعد ضرورياً. يريدون إنهاء الأمر الليلة في حفل العشاء.”
أمسك بيدي بقوة، وكانت هذه أول مرة أشعر فيها بصدق لمسته: “إذا أردتِ العيش، فعليكِ أن تثقي بي تماماً. الليلة، سنقوم بتمثيلية أخيرة.. إما أن نخرج من هنا معاً، أو نُدفن في هذا القصر معاً.”
في المساء، كان القصر مزيناً وكأنه مهرجان، لكن الأجواء كانت تشبه الجنازة. جلستُ على طاولة العشاء الكبيرة، وكان بجانبي آدم “العاجز”. وعلى الجهة الأخرى، رأيت زوجة أبي بابتسامتها الصفراء وهي ترفع كأسها نحوي.
قال عثمان بصوت جهوري: “الليلة، سنغلق كل الحسابات القديمة.” في تلك اللحظة، أحسست بآدم يضغط على ركبتي تحت الطاولة، وأدخل في يدي شيئاً معدنياً صغيراً.. كان “مشرطاً” حاداً.
همس في أذني بينما كان يتظاهر بالضحك: “عندما تنطفئ الأنوار، لا تتركي يدي أبداً.”
الجزء الثالث: مأدبة الأفاعي
خيم السكون على قاعة العشاء الكبرى، لكنه كان سكوناً يسبق العاصفة. جلستُ بجانب “آدم” الذي عاد لتمثيل دور العاجز بإتقان مرعب، بينما كان “السيد عثمان” يترأس الطاولة وعيناه الصقريتان لا تفارقان وجهي.
بدأ الضيوف بالوصول؛ رجال يرتدون بذلات سوداء غالية الثمن، بوجوه خالية من التعبير، هم “المصفون”. لم يكونوا ضيوفاً عاديين، بل كانوا القضاة والجلادين في هذه الإمبراطورية المظلمة. همس آدم في أذني بينما كان يتظاهر بطلب المساعدة لتقريب طبق الطعام: “عندما تنطفئ الأنوار، لا تتركي يدي مهما حدث.”
قال عثمان بصوت جهوري قطع حبل أفكاري: “الليلة، سنغلق كل الحسابات القديمة.” في تلك اللحظة، شعرت بآدم يضغط على ركبتي تحت الطاولة، وأدخل في يدي شيئاً معدنياً صغيراً.. كان “مشرطاً” حاداً.
فجأة، انقطعت الأضواء تماماً. ساد هرج ومرج وصراخ مكتوم. شعرت بيد آدم القوية تسحبني من فوق الكرسي بسرعة البرق. لم يكن يتحرك كشخص مشلول، بل كظل مدرب على القتل. زحفنا تحت الطاولة الطويلة بينما كانت أصوات الرصاص تخترق أطباق الكريستال فوقنا.
وصلنا إلى ممر خلفي سري خلف المكتبة الكبيرة. توقف آدم وأخرج جهازاً لاسلكياً، وقال بنبرة باردة: “الخطة (ب) الآن. دمروا المخازن.” التفت إليّ وعيناه تلمعان في الظلام: “ليلي، زوجة أبيكِ لم تبعكِ من أجل الديون فقط، بل لأنها ظنت أنكِ تملكين الرمز السري للخزنة التي تحتوي على ملفات غسيل الأموال التي أدارها والدك قبل رحيله.”
صدمتُ مما سمعت. والدي لم يكن ضحية عادية، بل كان جزءاً من هذا العالم القذر. وقبل أن أنطق بكلمة، انفتح الباب السري بقوة وظهر “عثمان” شاهراً مسدسه، وعلى وجهه ابتسامة شيطانية: “آدم.. كنت أعلم أنك ستشفى من شللك في اللحظة التي تشم فيها رائحة الخطر. والآن، أين مفتاح الخزنة السرية الذي تركه والد ليلي؟”
هنا أدركت أن الجميع، بما فيهم آدم، قد يكونون يطاردون نفس السر. هل آدم يحميني حقاً أم يحمي المفتاح الذي يظن أنني أمتلكه؟
للمتابعة اضغط على الزر
لجزء الرابع: شيفرة الدم
وقف “عثمان” في مدخل الممر السري، يسد طريق الهروب الوحيد بمسدسه المصوب نحو رأس “آدم”. ضحك عثمان بمرارة وقال: “لقد ظن والدك أنه أذكى من ‘المصفين’، فدفع الثمن غالياً. والآن، ابنة شريكه ستدفع الثمن المتبقي.”
في تلك اللحظة، لم يتراجع آدم، بل خطى خطوة للأمام ليحجبني بجسده تماماً. شعرت ببرودة “المشرط” في يدي، وتذكرت كلمات آدم السابقة بأن النجاة تتطلب تمثيلية أخيرة. همس لي دون أن يلتفت: “ليلي، القلادة التي ترتدينها.. إنها ليست مجرد زينة.”
نظرتُ إلى القلادة الذهبية القديمة التي لم تكن تفارق عنقي منذ اختفاء والدي. فجأة، فهمت كل شيء. لم تكن الخزنة تحتاج لمفتاح معدني، بل لشيفرة محفورة بدقة مجهرية على ظهر هذه القلادة. عثمان كان يراقبني طوال الوقت بانتظار اللحظة التي أدرك فيها قيمتها ليأخذها مني.
بينما كان عثمان يهم بالضغط على الزناد، وقع انفجار ضخم هز أركان القصر؛ كانت تلك “الخطة ب” التي أمر بها آدم لتدمير المخازن كتمويه. استغل آدم حالة الارتباك، وانقض على عثمان بحركة صاعقة، ليتحول الممر الضيق إلى ساحة معركة بدنية شرسة.
“اجري يا ليلي! اذهبي إلى المكتبة.. الرف السابع، خلف صور الحادث!” صرخ آدم وهو يحاول تثبيت يد عثمان المسلحة.
ركضتُ بقلب يكاد يتوقفيتوقف، العتمة تملأ المكان ورائحة البارود تخنق الأنفاس. وصلتُ إلى المكتبة، وبيدين مرتجفتين بدأت أبحث عن ملف “حادث السير” المفبرك. وجدتُ الملف، وخلفه مباشرة كانت هناك فتحة صغيرة في الجدار بحجم القلادة تماماً.
وضعتُ القلادة، فسمعت صوت تكات معدنية متتالية، لينزاح الجدار كاشفاً عن غرفة سرية مليئة بالشاشات والوثائق. لم تكن مجرد وثائق غسيل أموال، بل كانت قائمة بأسماء “المصفين” الحقيقيين، وكان الاسم الأول في القائمة ليس عثمان.. بل والد آدم.
تجمدت في مكاني حين سمعت صوت خطوات خلفي. التفتُّ لأجد آدم واقفاً، وعلى قميصه بقع دماء، يلهث بشدة ويمسك بيده جهاز التحكم في القفل السري. نظر إلى الشاشة التي تحمل اسم والده، ثم نظر إليّ بعيون تملؤها الحيرة والغضب.
“ليلي.. الآن عرفتِ لماذا كان عليّ التظاهر بالشلل طوال هذه السنوات. لم أكن أحميكِ منهم فقط.. كنت أحميكِ من الحقيقة التي قد تقتلنا جميعاً.”