دفنوني وأنا حية… القصة الصعيدية التي كشفت الجهل والظلم
في قرية صعيدية صغيرة، حيث تحكم العادات والتقاليد كل جانب من حياة الناس، حدث شيء قلب حياة أسرة بأكملها رأسًا على عقب. فتاة شابة، بريئة ومرتبكة، وجدت نفسها على وشك أن تُدفن حية بيد أبيها، بعد إشاعة كاذبة أثارت الرعب في قلب القرية.
القصة ليست عن الجريمة فقط، بل عن الجهل والخوف والضغط الاجتماعي، وعن اللحظة التي يمكن أن تأتي فيها الرحمة لتغير كل شيء.
الفصل الأول: فتاة على حافة الرعب
كانت فاطمة، تبلغ من العمر 21 عامًا، ترتدي جلبابًا أسود بسيط، شعرها الطويل ينسدل على كتفيها، وبشرتها القمحية وعيناها الخضراء النقية تعكس البراءة التي لم يشوبها أي ذنب.
كان يحمل السكين مهدداً، والغضب يعميه . أمامها كان والدها عبدالقاسم، صوته يهدر بالغضب:
“مين أبو اللي في بطنك؟!”
لم تنطق الفتاة بكلمة، دموعها كانت وحدها تتحدث. جسدها كان يرتعش من الخوف، أما أمها، فكانت واقفة على بعد أمتار، تبكي بصمت عاجزة عن فعل شيء.
الفصل الثاني: إشاعة قلبت القرية
قبل أيام، بدأت فاطمة تعاني من آلام في بطنها، نتيجة مرض بسيط لم يعرفه أحد. لكن بكري، الرجل العجوز الذي كان دائمًا يغار ويستغل أي موقف، نشر إشاعة أنها حامل من رجل غير زوجها.
الخبر انتشر بسرعة بين أهل القرية، الذين صدقوا الإشاعة بدون تحقق، وأصبحوا يعتقدون أن شرف الفتاة على المحك.
عبدالقاسم، بطبعه صارم جدًا، لم يسأل عن الحقيقة، ولم يحاول معرفة الواقع، بل استسلم للغضب والخوف، مستعدًا لفعل المستحيل لحماية “شرفه” كما ظن.
الفصل الثالث: التحضيرات للجريمة
ربطت فاطمة بالحبال، وهي تحاول الصراخ، لكن صوتها كان مكتومًا من الخوف. بدأ شباب القرية في حفر حفرة كبيرة، فيما جلب بعض الرجال النعش المعد للدفن.
دخل المنادي إلى الجامع معلنًا بصوت مرتفع:
“توفّت إلى رحمة الله… المرحومة بنت عبدالقاسم. الدفنة الآن… الدفنة الآن!”
كانت الكلمات ترن في أذنيها، وهي تبحث عن أي بصيص أمل بين الجموع، لكنها لم تجد سوى نظرات احتقار واستعداد للجريمة.
عبدالقاسم حملها على كتفه، وهي تصرخ وتستغيث:
“والله يا بوي مظلومة… والله!”
وقبل أن يلقي التراب عليها، ظهر تدخل غير متوقع غيّر كل شيء.
الفصل الرابع: تدخل الداية
في اللحظة الحاسمة، خرجت الداية العجوز من بين الجموع، تصرخ بصوت حاد:
“وقف يا عبدالقاسم! البنت دي بكر.. البنت دي لسه شريفة!”
سقط الساطور من يد الأب، وتوقف الشباب عن الحفر، وعم الصمت المكان.
ابتسمت الداية، وعيناها تعكس خبرة سنوات طويلة:
“انتفاخ بطنها مش حمل… ده ورم! والجهل والفزع خلى الكل يصدق إشاعة بكري.”
الفصل الخامس: المواجهة الكبرى
تحول الغضب الآن من الفتاة إلى بكري. عبدالقاسم، الذي أدرك حجم الخطيئة التي كاد يرتكبها، انقض عليه بغضب شديد:
“كنت عايزني أقتلها ليه يا بكري؟ ليه كنت بتأكد لي إنها حامل؟”
انهار بكري واعترف بالحقيقة:
“كنت حاسس بالإهانة… لأنها رفضتني، ولما حاولت أكلمها ضحكت عليا.. حلفت إني لازم أكسر قلبها وأقنعك بالدفن!”
كان الجميع مذهولًا. كيف يمكن لإشاعة واحدة أن تضع حياة فتاة بريئة على المحك؟
الفصل السادس: الندم والتصالح مع الحقيقة
ارتمى عبدالقاسم على ركبتيه أمام ابنته المربوطة، وبدأ يفك قيودها، وهو ينوح:
“سامحيني يا بنتي… كنت هقتل عرضي بإيدي.”
لكن فاطمة لم تنطق، نظرت إليه بعينين مليئتين بالحزن، ثم قامت من الحفرة، ونفضت التراب عن جلبابها الأسود.
قالت بصوت هادئ:
“التراب اللي كنتم عايزين ترموه عليا، أهون بكثير من السواد اللي في قلوبكم. النهاردة أنا فعلًا مت… بس مت من عيونكم مش من إيدكم.”
الفصل السابع: البداية الجديدة
فاطمة اختارت الابتعادعن القرية، والعيش مع عمتها في مدينة بعيدة، لتلقي العلاج من الورم الذي سبب آلامها.
عبدالقاسم عاش بقية حياته مكسور القلب، يطارد خيال ابنته في كل زاوية، ويكافح الندم الذي نخر قلبه.
أما بكري، فقد تم طرده من القرية بعد أن تلقى العقاب المناسب، ليصبح درسًا لكل من يحاول نشر الإشاعات والأكاذيب.
الدروس المستفادة من القصة
- ليست كل الحقائق كما تبدو للعين – الظلم قد يولد من سوء فهم أو إشاعة.
- الرحمة تأتي في اللحظة الأخيرة – تدخل شخص حكيم قد ينقذ حياة بريئة.
- التسرع في الحكم يقتل البراءة – لا تصدق الشائعات، وابحث عن الحقيقة قبل اتخاذ أي قرار.
- الجهل والخوف خطيران – يمكن أن يحوّلوا الناس العاديين إلى أدوات للظلم.