القائمة
الرئيسية chevron_left أخبار العالم chevron_left الضفيرة اللي وقعت… والمرأة اللي وقفت

الضفيرة اللي وقعت… والمرأة اللي وقفت

بقلم: محرر بالقسم
calendar_month 8 يناير 2026
schedule آخر تحديث: 8:57 مساءً

أنا ما صرختش لما صحيت. وما عيطتش برضه. صحيت فجأة وحسّيت إن في حاجة مش في مكانها. إحساس غريب، زي لما تقوم من النوم وتحس إن الأوضة مش هي الأوضة، وإن الهوا نفسه مختلف. مدّيت إيدي على راسي من غير ما أفكر، زي كل يوم، بس إيدي ما مسكتش الضفيرة اللي متعودة ألمسها. مسكت شعر مقصوص… أطراف ناشفة ومش متساوية. ساعتها فهمت قبل ما أشوف.

رفعت عيني ببطء… وشفته. سها كانت واقفة عند طرف السرير. في إيدها مقص، وبصالي بنظرة ثابتة مافيهاش توتر ولا خوف، كأن اللي عملته ده عادي جدًا. قالتلي وهي شبه بتضحك: «أديكي أخيرًا عرفتي مقامك».

الكلمة دخلت ودني واتسابت جوايا من غير ما تشرح نفسها. كنت لسه بحاول أستوعب. بصّيت ناحية باب الأوضة، يمكن ألاقي حد يقول إن ده هزار تقيل أو غلطة. لقيت كريم… ابني… واقف.

واقف بس. ما اتحركش. ما قالش “إيه اللي حصل؟”. قال بهدوء مستفز: «يمكن ده الدرس اللي كنتي محتاجاه».

في اللحظة دي حسّيت إن في حاجة اتكسرت جوايا. مش شعري. حاجة أعمق من كده. حاجة ما بتتصلّحش بسهولة، ويمكن ما بتتصلّحش أصلًا.

أيام عدّت وأنا ساكتة

بعد اللي حصل، ما تكلمتش. ولا كلمة. لا وأنا واقفة قدام المراية وبشوف نفسي مختلفة، ولا وأنا لاقية ضفيرتي على الأرض، شعر أبيض كنت بحافظ عليه سنين… مرمي كأنه ولا حاجة. ولا حتى تاني يوم الصبح لما كريم عدى جنبي ماسك الموبايل وبيضحك كأنه رجع من مشوار عادي.

كنت بمشي في البيت وأعمل اللي عليّ وخلاص. أطبخ، أنضف، أفتح الشباك، أقفله. أسمع صوتهم في الصالة… هزار وضحك وصوت تلفزيون، وأحس إني غريبة في بيتي. البيت اللي عشت فيه عمري كله، واللي كنت فاكرة إن ليّا فيه مكان ثابت زي الحيطة.

عدّى يوم، واتنين، وتلاتة. في اليوم الرابع، وقت العصر، كنت قاعدة لوحدي. البيت كان هادي، وقلبي هادي على غير العادة. مش غضبانة ومش عيانة. كنت بس… واضحة. كأن الضباب اللي كان حواليا سنين اتشال مرة واحدة.

ناديت سها. قعدت قدامي وهي مستغربة، بتبص كأنها بتستنى خناقة أو صراخ أو عياط. بصّتلها شوية، وبعدين قلت: «قدامك تلاتين يوم، وتسيبي البيت».

قالتها كده وخلاص. من غير صوت عالي. من غير خناق. كريم ضحك ضحكة سخرية، بس لما شاف وشي… سكت. الضحكة اتقفلت في نصها.

أنا صفية

اسمي صفية. عندي 58 سنة. أرملة بقالـي سبع سنين. الشقة دي مش مجرد مكان. دي بيت اتبنى على مهَل. أنا وجوزي بنيناه حتة حتة. تعب عمر. فيها كل حاجة حصلت في حياتي: أفراح صغيرة، خناقات تافهة، سهرات طويلة، بكا في صمت، وضحكة كانت بتطلع من القلب قبل ما الدنيا تضيق.

ضفيرتي؟ ما كانتش شعر وبس. جوزي الله يرحمه كان بيحب يسرّح لي شعري عصر الجمعة. يقعد قدام التلفزيون، الماتش شغال بصوت واطي، وأنا قاعدة قدامه وهو ماسك المشط. كان بيعملها بعفوية كده، من غير ما يفكر، بس كانت بتفرق معايا. بعد ما مات فجأة، الضفيرة دي كانت آخر حاجة حاسة إنها لسه منه. حاجة ثابتة في دنيا بتتغير غصب عنك.

لما كريم اتجوز سها وقالوا يقعدوا معايا شوية “لحد ما يظبطوا أمورهم”، وافقت من غير تفكير. ده ابني. وقلت لنفسي: البيت يتلم. قلت يمكن وجودهم يهون عليّا الوحدة، ويمكن أرجع أحس إن في حياة في المكان.

في الأول كنت بحاول أبقى لطيفة زيادة عن اللزوم. أطبخ اللي بيحبوه، أجهز السفرة، أستحمل التعليقات اللي بتتقال في وسط هزار. «غيري ستايلك». «الشعر الطويل ده مش موضة». «اللون الأبيض ده بيكبّرك». كلام يوجع بس كنت ببلعه وأسكت. وكريم؟ كان يضحك أو يسكت، والأكتر وجعًا إنه كان يعمل نفسه مش واخد باله.

وأنا؟ كنت بقول: الأم تشيل. الأم تستحمل. الأم تتنازل علشان المركب تمشي.

اليوم اللي الدنيا وقفت فيه

اليوم ده بدأ عادي. صحيت بدري. طبخت، رتبت، عملت اللي عليّ. كنت عايزة البيت يبقى دافي لما يصحوا. بعد ما خلصت، حسّيت بإرهاق فقلت أريح شوية. “عشر دقايق بس”.. وغمضت عيني.

ما كنتش أعرف إن النوم ده هيصحيني على حاجة ما تتنسيش.

لما شفت نفسي في المراية بعد ما صحيت، حسّيت إني اتعرّيت. مش من شعري، من إحساسي بالأمان. حد دخل مساحتي وأنا نايمة، وعدّى حدوده، وأنا ما كنتش واخدة بالي. ومش بس كده… حد عملها بإيده ووقف يتفرج على النتيجة ببرود.

وبرضه ما صرختش. ساعات الصدمة بتخلي الصوت يهرب. وساعات الكرامة لما تتوجع، بتختار الصمت علشان تجمع نفسها قبل ما تتحرك.

القرار اللي ما رجعتش فيه

بعد كام يوم، كريم قالها بكل بساطة: «ده بيتنا زي ما هو بيتك». كأنه بيقول “كوباية المية دي بتاعتي”. كأنه ناسي إن البيت ده اتبنى قبل ما يعرف يعني إيه “بيت”.

وقفت، وسندت إيدي على الترابيزة اللي أبوه اشتراها من دمياط. الترابيزة دي بالذات كانت دايمًا بتفكرني بيه. قلت بصوت هادي بس حاسم: «البيت ده باسمي. والـ 30 يوم ابتدوا».

الغريب؟ ما حسّيتش بالذنب. لأول مرة ما حسّيتش إني لازم أعتذر علشان أنا بحمي نفسي.

كل حاجة اتغيّرت

البيت بقى تقيل. مفيش كلام. مفيش دفء. كل واحد بيعدّي من جنب التاني كأنه ما يعرفوش. سها بقت تتكلم بصوت واطي وهي ماشية في الطرقة، وكريم بقى يحاول يفتح مواضيع صغيرة ويقفلها بسرعة.

أنا رحت قصّيت شعري. قصة بسيطة. ولا قصيرة قوي ولا طويلة قوي. حاجة تخليني أقدر أبص لنفسي من غير ما أحس إني منهزمة. وأنا قاعدة قدام المراية في الكوافير، حسّيت إني برجع أتملك جسمي تاني، ورجوعي ده كان أهم من شكل القصة نفسها.

لما رجعت البيت، سها علّقت بسخرية خفيفة، كأنها بتقول “أنا اللي خلّيتك تعملي كده”. ما دخلتش في نقاش. قلت بس: «أنا كده مرتاحة». وكانت دي حقيقة.

في اليوم العاشر، المحامي جه. كريم أول ما شافه فهم إن الموضوع مش هزار. اتغيّر وشه، وبدأ يتكلم كتير فجأة: “يا ماما”، “هو انتي جد؟”، “طب إحنا نروح فين؟”. ساعتها بس حسّيت إنه بيشوفني… بس مش علشان أنا أمه، علشان الأرض بتتهز تحت رجليه.

اليوم الأخير

في اليوم التلاتين، شنطهم كانت عند الباب. ما عملتش مشهد. ما قلتش خطب. وقفت بعيد شوية، وبصّيت عليهم وهما بيحاولوا يطلعوا من غير ما يبان عليهم الضعف. كريم كان بيبص للأرض، وسها كانت بتتمتم بكلام مش مفهوم.

قفلت الباب وراهم.

قعدت لوحدي. وما حسّيتش بالوحدة. حسّيت بهدوء… زي الهدوء اللي بييجي بعد وجع طويل. دخلت المطبخ، عملت لنفسي قهوة، وفتحت الشباك. ريحة البيت كانت مختلفة. يمكن علشان لأول مرة بقى فيه مساحة ليا أنا.

غيرت كالون الباب. مش عشانهم… عشاني. علشان أحس إن اللي حصل مش هيتكرر، وإن أنا اللي باختار مين يدخل ومين يخرج.

بعدها بأيام عرفت إن سها حامل. قلبي اتحرك لحظة. غريزة الجدة اللي جوايا قامت، وقالتلي “اتسامحي”. بس افتكرت لحظة الضفيرة على الأرض، وافتكرت جملة كريم: «الدرس اللي كنتي محتاجاه». وساعتها فهمت إن الدرس لسه ما خلصش… بس المرة دي مش ليا.

دلوقتي

عدّى سنة. شعري أبيض وقصير. ويمكن في ناس تقول “ده كبر”. بس أنا لأول مرة بحبه. بقى شبه السلام اللي جوايا. كريم بيزورني أحيانًا، لوحده. بيقعد، يشرب شاي، يتكلم عن شغله، ويسكت كتير. وأنا بسيبه يتكلم على قد ما يقدر. بحبه… أكيد بحبه. بس بحب نفسي أكتر. بحترم نفسي أكتر. وده فرق كبير.

في يوم جمعة، وأنا قاعدة في البلكونة، أم كلثوم شغالة بصوت واطي، حسّيت إن الهواء خفيف. بصّيت للسماء وفهمت حاجة واحدة: البيت مش حيطة وسقف. البيت إحساس أمان. واللي يكسرك… مالوش مكان فيه، حتى لو كان أقرب الناس ليك.