أعادت التطورات الأخيرة في كراكاس رسم المشهد السياسي بالكامل، بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، لتتجه الأنظار سريعًا إلى مراكز القوة والنفوذ في فنزويلا بعد اعتقال مادورو. فغياب رأس السلطة لم يؤدِ إلى فراغ سياسي كما توقع البعض، بل كشف عن شبكة معقدة من القيادات والمؤسسات التي ظلت تمسك بمفاصل الحكم خلال السنوات الماضية. وتبرز الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو باعتبارها اللاعب الحقيقي في إدارة الدولة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني. كما أصبح دور المؤسسة العسكرية، والقيادات الحكومية، والمعارضة المنقسمة، عنصرًا حاسمًا في تحديد مستقبل البلاد. هذه الخريطة الجديدة للقوة تعكس توازنات دقيقة بين الداخل والخارج، خاصة في ظل إشارات الحوار مع الولايات المتحدة، ما يجعل المرحلة الحالية من أكثر الفترات حساسية في تاريخ فنزويلا الحديث.
ديلسي رودريجيز والرئاسة بالنيابة
تصدرت ديلسي رودريجيز المشهد السياسي في فنزويلا عقب اعتقال مادورو، بعدما أصدرت المحكمة العليا قرارًا بتوليها منصب الرئيس بالنيابة. وتتمتع رودريجيز بثقل سياسي كبير، إذ تجمع بين السلطة التنفيذية ودورها المحوري في إدارة وزارة النفط منذ أغسطس 2024. هذا الجمع منحها نفوذًا استثنائيًا، كون النفط يمثل العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي. وتُعرف رودريجيز بقدرتها على المناورة السياسية داخليًا وخارجيًا، ما جعلها الخيار الأكثر استقرارًا لاستمرار النظام دون صدامات مفاجئة. وجودها على رأس السلطة المؤقتة يعكس رغبة الدائرة الحاكمة في الحفاظ على تماسك الدولة وتفادي أي فراغ قد تستغله أطراف داخلية أو خارجية.
الحوار المحتمل مع الولايات المتحدة
أعلنت ديلسي رودريجيز استعدادها لفتح قنوات حوار مع الولايات المتحدة على أساس الاحترام المتبادل، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا لافتًا في الخطاب الرسمي. وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجود تواصل مباشر بين رودريجيز ووزير الخارجية ماركو روبيو، ما يشير إلى انفتاح نسبي من جانب واشنطن. هذا الحوار المحتمل لا يعني بالضرورة تطبيعًا كاملًا، لكنه يعكس إدراك الطرفين لأهمية تجنب التصعيد. وتراهن القيادة الجديدة في كراكاس على تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية، مقابل تقديم ضمانات تتعلق بالاستقرار الإقليمي، وهو ما قد يعيد رسم العلاقة بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
المعارضة الفنزويلية بعد اعتقال مادورو
تعاني المعارضة الفنزويلية من انقسام واضح زاد حدة بعد اعتقال مادورو. التيار الأول تقوده ماريا كورينا ماتشادو، التي اعتمدت على الضغط الخارجي والمواجهة المباشرة مع النظام، لكنها فقدت جزءًا من الدعم الدولي مؤخرًا. في المقابل، يمثل إنريكي كابريليس تيارًا أكثر براغماتية، يرفض التدخل الأجنبي ويدعو إلى التفاوض الداخلي كطريق للانتقال السياسي. هذا الانقسام أضعف قدرة المعارضة على استثمار اللحظة السياسية الراهنة، وسمح للسلطة القائمة بإعادة ترتيب صفوفها دون تهديد حقيقي في المدى القريب.
المؤسسة العسكرية ومفاتيح السلطة
تظل المؤسسة العسكرية اللاعب الأهم في خريطة النفوذ الفنزويلي، حيث تضم ما يقرب من 2000 جنرال وأدميرال، وهو رقم ضخم يعكس حجم تغلغل الجيش في الدولة. ويحتفظ الجيش بنفوذ واسع في قطاعات استراتيجية مثل النفط، والتعدين، والموانئ، ما يجعله شريكًا أساسيًا في الحكم وليس مجرد أداة أمنية. هذا النفوذ يمنح القيادات العسكرية قدرة على التأثير في القرار السياسي، ويجعل أي تغيير جذري مرهونًا بموقفها.
أدوار بادرينو لوبيز وديوسدادو كابيلو
يلعب وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز دورًا محوريًا في ربط المؤسسة العسكرية بالاقتصاد، بينما يُعد وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو الأكثر نفوذًا على أجهزة الاستخبارات. كابيلو يُعرف بتشدده الأيديولوجي وسيطرته على قطاعات واسعة من القوات المسلحة. هذا التوازن بين الرجلين يضمن بقاء النظام متماسكًا، ويحد من فرص الانشقاق الداخلي، خاصة في ظل المرحلة الانتقالية الحالية.
دلالات غياب المقاومة العسكرية
أثار غياب أي مقاومة خلال عملية اعتقال مادورو تساؤلات واسعة، حيث لم تواجه الطائرات الأمريكية أي رد فعل عسكري. هذا الأمر يشير إلى احتمال وجود تسهيلات أو موافقة ضمنية من قطاعات داخل الجيش، ما يعكس تعقيد المشهد الداخلي. ويُفهم من ذلك أن مراكز القوة فضلت تجنب مواجهة مباشرة قد تقود إلى صدام واسع، مفضلة الحفاظ على الاستقرار الداخلي ولو بتغيير رأس السلطة.
الأسئلة الشائعة
من يقود فنزويلا حاليًا بعد اعتقال مادورو؟
تقود البلاد ديلسي رودريجيز بصفتها رئيسة بالنيابة بقرار من المحكمة العليا.
هل ما زال الجيش مسيطرًا على السلطة؟
نعم، تظل المؤسسة العسكرية حجر الأساس في مراكز القوة والنفوذ.
هل هناك حوار فعلي مع الولايات المتحدة؟
توجد مؤشرات على تواصل أولي، لكنه لم يصل إلى اتفاقات رسمية بعد.
لماذا المعارضة ضعيفة حاليًا؟
بسبب الانقسام الداخلي بين تيارات ترفض التدخل الخارجي وأخرى تعتمد عليه.
هل يشهد الوضع استقرارًا قريبًا؟
الاستقرار مرهون بتوازن القوى داخل الجيش ونجاح الحوار السياسي داخليًا وخارجيًا.