يظل سر غياب عين نفرتيتي اليسرى من أكثر الألغاز إثارة في عالم الآثار المصرية القديمة، خاصة أن الملكة نفرتيتي تُعد رمز الجمال الذي خلدته الحضارة المصرية على مر العصور. وقد أثار اكتشاف تمثالها النصفي عام 1912 حالة واسعة من الجدل، إذ ظهر التمثال بوجه متكامل شديد الدقة، بينما اختفت منه عين واحدة تمامًا، ما فتح باب التساؤلات حول السبب الحقيقي وراء ذلك. كان التمثال — الذي عُثر عليه داخل ورشة النحات تحتمس في تل العمارنة — بمثابة قطعة فنية استثنائية نظرًا لما يعكسه من دقة وواقعية مذهلة. ورغم مرور أكثر من 100 عام على اكتشافه، لا يزال السؤال مطروحًا: هل فقدت الملكة بصرها؟ أم أن العين سقطت؟ أم أن غيابها كان مقصودًا من النحات نفسه؟ عبر هذا المقال نستعرض كل التفسيرات العلمية والتاريخية التي طرحتها الدراسات الحديثة، ونوضح أقرب تفسير متفق عليه بين معظم الباحثين.
اكتشاف تمثال نفرتيتي وسبب الجدل حول عينه المفقودة
تم اكتشاف رأس الملكة نفرتيتي النصفي في ديسمبر 1912 داخل ورشة النحات تحتمس، وذلك على يد عالم الآثار لودفيج بورشاردت. كان التمثال لافتًا للنظر بجماله وتناسق ملامحه، ولكن ما أثار الجدل هو غياب العين اليسرى بالكامل، على عكس اليمنى التي وُضعت فيها قزحية من الكوارتز. هذا الاكتشاف دفع الباحثين إلى طرح العديد من التساؤلات حول سبب اختفاء العين: هل سقطت؟ هل دُمّرت؟ أم أنها لم تكن موجودة من الأصل؟ وقد بدأ الجدل فور اكتشاف التمثال، مما دفع بورشاردت إلى إطلاق مكافأة مالية للعثور على العين المفقودة، لكن دون جدوى، الأمر الذي جعل لغز العين مادة خصبة للدراسات والفرضيات لعقود طويلة لاحقة.
الفرضيات الأولى: هل فقدت نفرتيتي عينها فعلًا؟
ظهرت في البداية فرضية تقول إن الملكة نفرتيتي ربما كانت مصابة بمرض في العين أدى إلى فقد بصرها، وهو ما دفع النحات إلى تمثيلها بعيـن واحدة. لكن الدراسات اللاحقة أثبتت ضعف هذا التفسير، إذ تم العثور على عدة تماثيل أخرى للملكة بعينين كاملتين، مما يعني أن فقدان البصر لم يكن واردًا. كما أن الفن المصري القديم لم يكن يعبر عن الأمراض أو العيوب الجسدية في التماثيل الملكية، بل كان يعتمد على المثالية والكمال في النحت. ولذلك تم استبعاد فكرة فقدان العين لأسباب مرضية، وأصبح التركيز منصبًا على احتمالية أن غياب العين كان بسبب ظروف تتعلق بعملية النحت نفسها، وليس بصفات الملكة الشخصية أو حالتها الصحية.

تفسير السقوط أو التلف: هل ضاعت العين داخل الورشة؟
طرح بعض الباحثين فرضية أن العين اليسرى ربما سقطت داخل ورشة النحات قبل اكتمال العمل، إلا أن هذه الفكرة سرعان ما فقدت قوتها. فقد قام فريق بورشاردت بتفتيش الورشة بالكامل بعد اكتشاف التمثال، بل أطلقوا مكافأة كبيرة لمن يعثر على أي أثر للعين، لكن دون نتيجة. ومع أن بعض القطع الصغيرة من الأذن ومواد أخرى عُثر عليها أثناء التنقيب، لم يوجد أي أثر للقزحية أو الحشوة المخصصة لها. كذلك، لم تظهر أي علامات على التمثال تشير إلى أن العين كانت مثبتة وسقطت لاحقًا، بل بدا التجويف أملسًا وكأنه لم يُعد لاستقبال الترصيع أصلًا، وهذا جعل الباحثين يشككون في صحة فرضية السقوط.
التفسير الأقرب للواقع: التمثال نموذج تدريبي غير مكتمل
يميل معظم علماء الآثار اليوم إلى تفسير واحد، وهو أن التمثال لم يكن مخصصًا للعرض الملكي، بل كان نموذجًا تدريبيًا لورشة تحتمس. فالنحات كان يستخدمه لتعليم المتدربين طريقة نحت العين من الداخل، ولذلك قام بوضع قزحية واحدة فقط، بينما تُركت الأخرى فارغة عمدًا. يدعم هذا التفسير وجود دلائل تشير إلى أن التمثال كان جزءًا من مجموعة نماذج تجريبية عُثر عليها في المكان ذاته. كما أن الفن المصري استخدم نماذج مماثلة لتدريب النحاتين على إتقان ملامح الوجوه قبل نحت التماثيل الرسمية. ومن هنا يفسر غياب العين بأنه لم يكن خطأ ولا تلفًا، بل قرار فني من تحتمس نفسه.
ما ذكرته المواقع والمتاحف العالمية حول غياب العين
تؤكد مصادر عديدة، مثل موقع artincontext وموقع متحف ولاية برلين الرسمي، أن التمثال لم يحتوِ على تطعيم للعين اليسرى منذ لحظة اكتشافه. وتشير الوثائق الأصلية لبورشاردت إلى أنه أمر بالبحث عن أي بقايا للعين فور العثور على التمثال، لكن دون العثور على شيء. بل إن بورشاردت كتب لاحقًا أنه لم يدرك إلا بعد سنوات أن العين ربما لم تكن مصنوعة من الأصل. ويشير باحثون آخرون إلى أن هذا يتفق مع سياق عمل ورشة تحتمس، التي كانت تصنع نماذج أولية لملامح أفراد العائلة الملكية، بما في ذلك نموذج الوجه الجانبي للملكة الذي يُستخدم في النقوش. ولذلك أصبح التفسير الأقرب أن غياب العين مقصود وليس عرضيًا.
الأسئلة الشائعة
1. هل كانت نفرتيتي فاقدة للبصر بالفعل؟
لا، تماثيل أخرى للملكة تُظهر وجود عينين كاملتين، مما ينفي تمامًا فكرة فقدانها للبصر.
2. هل يمكن أن تكون العين قد ضاعت داخل الورشة؟
تم تفتيش الورشة بالكامل ولم يُعثر على أي أثر للعين، مما يرجح أنها لم تُصنع من الأساس.
3. هل التمثال الأصلي معروض في مصر؟
لا، التمثال موجود في متحف برلين منذ نقله بطريقة غير قانونية عام 1913.
4. لماذا اكتسب التمثال هذه الشهرة الكبيرة؟
لأنه يجسد أعلى درجات الدقة والجمال في فن النحت المصري، وأصبح رمزًا عالميًا للجمال الأنثوي.
5. ما التفسير النهائي لغياب العين اليسرى؟
التفسير الأكثر قبولًا أنها تُركت بدون تطعيم لأنها كانت جزءًا من نموذج تدريبي داخل ورشة تحتمس.