ذنب لا يُحتمل… ورحمة لا تنتهي
قال محمد بن هارون:
“كنت شابًا عاقًا لا أعرف لله حرمة. أدمنت شرب الخمر حتى أفسد عقلي.
وفي ليلة من ليالي آخر شعبان، عدت إلى بيتي ثملًا، فرأيت أمي توقد تنورًا وتقول لي:
يا بني، غدًا أول رمضان، والناس يصبحون صُوّامًا، وأنت ما زلت سكران! أما تستحي من الله؟”
يقول الرجل:
“فغضبت من كلامها، ورفعت يدي عليها، ثم دفعتها — دون وعي — فسقطت في التنور المشتعل!
فلما أفاق عقلي، كانت أمي قد احترقت، وذنبها على يدي.”
انكسر صوته وهو يتابع:
“منذ ذلك اليوم قطعت يدي بيدي الأخرى، وسلّلت عنقي بسلسلة، وقيدت قدمي، وتبت إلى الله توبة لا يعلم صدقها إلا هو.
تصدقت بكل مالي، وحررت عبيدي، وصمتُ أربعين سنة لا أنام إلا في خرابٍ بعيد، راجيًا عفو الله، لكن الرؤيا لا تفارقني.”
يقول مالك:
“نفضت يدي من هول ما سمعت وقلت له: يا مشؤوم! كدت تُهلك الأرض بذنبك!”
فرفع الرجل يديه إلى السماء وهو يبكي ويقول:
“يا فارج الهم، يا كاشف الغم، أعوذ برضاك من سخطك، لا تقطع رجائي ولا تردّ دعائي.”
وفي الليلة نفسها، رأى مالك النبي ﷺ في المنام يقول له:
“يا مالك، لا تقنّط الناس من رحمة الله. لقد اطلع الله على محمد بن هارون فغفر له، واستجاب دعاءه، وسيجمعه بأمه في الجنة.”
فلما أخبره مالك بالرؤيا، ابتسم الرجل ودموعه تنهمر، ثم أسلم الروح وهو ساجد، وقد خُتم له بالتوبة والرحمة.
العبرة من القصة
ما أعظم رحمة الله، وما أوسع مغفرته!
فلا ييأس عبدٌ من رحمته، ولو بلغت ذنوبه عنان السماء، فإن الله يغفر الذنوب جميعًا، وهو الغفور الرحيم.