فى الأيام الأخيرة عاد فيديو قديم للفنان الراحل أحمد راتب ليتصدر حديث السوشيال ميديا، حيث يظهر خلاله على المسرح متحدثًا عن كتاب شمس المعارف الكبرى، ذلك الكتاب الذى ارتبط لعقود بالرعب والأساطير، وصُنع حوله هالة من الغموض جعلته الأكثر إثارة للجدل فى العالم العربى.
الفيديو بحد ذاته لم يحمل أى اعتقاد حقيقى من الفنان بالسحر أو استدعاء الجن، بل كان يقدم مادة فنية تحمل مزيجًا من الكوميديا والواقعية والسخرية من انتشار الخرافات… لكن ما حدث أن الجمهور – خاصة الأجيال الصغيرة التى تتعامل مع الإنترنت كمصدر أساسى للمعلومة – أخذوا المشهد على محمل الجد.
فى هذا المقال الضخم، سنغوص فى أعماق الظاهرة من جذورها:
لماذا يخاف الناس من كتاب شمس المعارف؟
ما الذى قاله الفنان فعليًا؟
وهل كان يؤمن به أم يسخر من الخرافة؟
ولماذا يعود الفيديو للظهور كل فترة؟
ولماذا تنتشر كتب السحر رغم التقدم العلمى؟
وكيف يلعب السوشيال ميديا دورًا خطيرًا فى تضخيم الرعب؟
هذا بالإضافة إلى تحليل كامل للكتاب، أصله، تاريخه، وخفاياه.
الفنان لم يكن يؤمن بالسحر.. كان فقط يعرض واقعًا مرعبًا يعيشه المجتمع
أول حقيقة يجب تثبيتها هى أن أحمد راتب، أحد أهم الممثلين فى المسرح والسينما المصرية، كان معروفًا بمنطقه وثقافته، ولم يُعرف عنه يومًا أنه يصدق تلك الكتب أو يدخل فى عالم الشعوذة.
الكلمة التى قالها كانت جزءًا من مشهد فنى، يروى فيه عن شخصيات بسيطة فى المجتمع تخاف من السحر، وتصدق أى رواية تتعلق بالجن أو الأعمال أو أساليب السيطرة على الإنسان.
كان يسخر من الناس وليس من الدين، يسخر من الجهل وليس من الإيمان.
إذا شاهدتِ المشهد كاملًا ستلاحظين أن نبرة صوته تحمل:
- دهشة
- سخرية مبطنة
- تعجب من خوف الناس
- إشارة لانتشار الجهل
لم يكن يروج للكتاب… بل كان يفضح أثره على العقول البسيطة.
شمس المعارف.. لماذا أصبح “أخطر كتاب” فى الوعى الشعبى؟
قبل ما نكمل فى تحليل الفيديو، لازم نفهم:
ليه الناس أصلاً بتخاف من الكتاب ده؟
كتاب شمس المعارف الكبرى نُسب إلى الشيخ أحمد البونى، وهو كتاب قديم جدًا يعود للقرن السابع الهجرى، ويحتوى على:
- تعويذات
- طلاسم
- جداول
- أسماء مجهولة الأصول
- طرق يُقال إنها لاستحضار الجن
بسبب تركيبته الغامضة، أصبح مادة مثالية لصناعة “أسطورة”.
فالناس تخاف من المجهول، والكتاب مجهول فى كل شىء:
مؤلفه، غايته، طريقة كتابته.
ومع ظهور الإنترنت، أصبح الشباب يتداولون قصصًا حوله، منها:
- شباب فقدوا عقلهم بعد قراءته
- منزل اشتعل بالنار بعد فتح صفحاته
- أصوات تُسمع ليلًا بعد قراءة بعض الطلاسم
- قصص عن جن يخرج من الكتاب
طبعًا كلها حكايات متخيلة، لكنها انتشرت لدرجة أن البعض يعتقد أنها حقيقية.
السوشيال ميديا أعادت إحياء الكتاب… وخلقت جيلًا يخاف من صفحة PDF
مع عصر “التريند”، أصبح كل شىء يمكن أن يتحول إلى قصة رعب:
صوت، ظل، صورة مهزوزة، أو حتى كتاب PDF عمره أكثر من 600 سنة.
السوشيال ميديا “تتغذى” على الخوف، لأنه يجلب:
- مشاهدات عالية
- مشاركات
- ردود فعل قوية
- فضول لا ينتهى
وهذا ما حدث مع الكتاب.
ظهر أشخاص يدّعون:
- أنهم قرأوه كاملًا
- أن حياتهم تغيرت بعده
- أنهم استدعوا جن بالفعل
- أن الكتاب “ليس من يقرأه بل هو الذى يقرأك”
وهنا ظهرت فيديوهات الفنانين والنجوم وهم يتحدثون عنه – من بينهم الفنان أحمد راتب – ليستخدم الجمهور تلك المقاطع كـ“دليل” على أن الكتاب حقيقي وخطير، رغم أنه كان أداءً فنيًا فقط.
ماذا قال الفنان فعليًا؟ وما الذى قصده؟
الكلمات التى قالها الفنان فى الفيديو ليست تمجيدًا للكتاب، بل كانت:
- تجسيدًا لصراع المجتمع مع الجهل
- عرضًا لانتشار تصديق الخرافات
- سخرية من طريقة تعامل الناس مع السحر
- تجسيدًا لضحايا الوهم وليس صانعيه
لو رجعنا لجملة قالها فى الفيديو:
“الناس دى مصدقة إن كتاب يفتح لهم أبواب الجن.. وهو كتاب أصلاً محدش فاهم منه حاجة.”
واضح أنه لم يكن يصدق، بل كان يتهكم، ويظهر كيف تُصنع الخرافة.
لماذا يعود الفيديو للظهور رغم قدمه؟
من أسباب عودته:
- إعادة نشره عبر حسابات الرعب
- تفاعل الأجيال الصغيرة مع كل ما يتعلق بالجن
- الشغف بالمحتوى المرعب
- ربط الفيديو بظهور نسخ مزيفة من الكتاب على الإنترنت
- تأثير فيديوهات TikTok التى تعتمد على “تخويف المشاهد”
كل هذه العوامل خلقت من الفيديو حالة متجددة من الجدل.
الكتاب… بين الحقيقة والخرافة
رغم كل القصص حوله، إلا أن العلماء والباحثين أكدوا:
- الكتاب مليء بالتلفيق
- أجزاء كبيرة منه أضيفت بمرور الزمن
- لا يوجد دليل تاريخي واضح على صحة نسبه للبونى
- قراءته لا تسبب جنونًا ولا استحضار جن
- الخطر ليس فى الكتاب.. بل فى عقل من يصدقه
وهنا تظهر حكمة الفنان أحمد راتب فى المشهد…
فهو لم يقل إن الكتاب حقيقى…
بل قال إن “الناس هى التى تصنع الهالة”.
لماذا يخاف الناس من السحر أصلًا؟
الخوف من السحر جزء من ثقافتنا العربية منذ مئات السنين، لأنه يخاطب:
- غريزة الخوف من المجهول
- الرغبة فى تفسير ما لا نفهمه
- الحاجة لوجود قوة خارقة فى حياتنا
- الإيمان بأن هناك “سرًا” خلف كل شىء
والفنان جسد هذا الخوف بطريقة ساخرة، مما جعل المشهد عالقًا فى ذاكرة الجمهور.
كيف صنعت الدراما العربية صورة “كتاب السحر الأسود”؟
مسلسلات كثيرة ساهمت فى ذلك، مثل:
- ما وراء الطبيعة
- أفلام الرعب القديمة
- قصص الإنترنت الخيالية
- برامج اليوتيوب التى تبحث عن الجن
وهنا ظهر “شمس المعارف” كأنه محور لعالم سحرى كامل.
الفنان أحمد راتب كان يفضح الجهل لا يروّج له
كل من عرف هذا الفنان يدرك أنه كان مثقفًا، واعيًا، ناقدًا ساخرًا للمجتمع، ولم يقترب يومًا من عالم الشعوذة.
بل كان يسخر من:
- من يصدق الدجالين
- من يذهب للشيوخ المزيفين
- من يعلّل مشاكله بسحر وحسد
والمشهد كان جزءًا من نقد المجتمع وليس من ترويج السحر.
لماذا يجب علينا فهم الفيديو بدلًا من تضخيمه؟
لأن الفيديو:
- يعرض ظاهرة اجتماعية خطيرة
- يكشف قوة الخرافة فى السيطرة على العقول
- يرفض تصديق الكتب المحرمة
- يؤكد أن الفن وسيلة للتوعية
وليس “دليلًا” على أن الفنان كان يؤمن بالسحر.
الخرافة قوة… والفنون تقاومها
هذا المشهد مثال عظيم على كيف يمكن للفن:
- فضح الجهل
- توعية المجتمع
- السخرية من الخرافات
- توضيح مخاطر السوشيال ميديا فى نشر الرعب
فالفكرة ليست فى الكتاب، بل فى العقل الذى يصدقه.
فى النهاية.. ماذا نتعلم من الفيديو؟
نتعلم أن:
- ليس كل ما يُنشر على الإنترنت حقيقة
- كثير من الفيديوهات يعاد تدويرها للتخويف فقط
- الفنان لم يكن يومًا مؤمنًا بالسحر
- الكتاب مجرد مادة تاريخية وليس قوة خارقة
- الخوف لا يأتى من الورق بل من الوهم
وفى النهاية يبقى هذا الفيديو واحدًا من أكثر المقاطع التى توضح كيف يعيش المجتمع بين:
- خرافة قديمة
- وسوشيال ميديا تصنع منها وحشًا
- وفنان مثقف حاول أن يفضح تلك الظاهرة بطريقة ذكية