زائر الفجر المرعب: سر “الجاثوم” بين الأسطورة الشعبية والحقيقة العلمية
تخيل أنك تستيقظ في منتصف الليل، تفتح عينيك لتجد نفسك مشلولاً تماماً، تعجز عن تحريك إصبع واحد أو حتى الصراخ لطلب النجدة. تشعر بثقل جاثم على صدرك يكتم أنفاسك، وربما تلمح في زاوية الغرفة طيفاً أسود يراقبك. هذا ليس مشهداً من فيلم رعب، بل هو اختبار حقيقي يمر به الملايين حول العالم، ويُعرف تاريخياً بـ “الجاثوم”. فما هو هذا الكائن؟ وكيف يفسره العلم بعيداً عن الخرافات؟
ما هو الجاثوم؟ (التعريف والماهية)
الجاثوم (أو شلل النوم – Sleep Paralysis) هو حالة تتميز بعجز مؤقت عن الحركة أو الكلام يحدث مباشرة بعد الاستيقاظ أو قبل النوم مباشرة. لغوياً، اشتق الاسم من “جثم على الشيء” أي لزمه وركب فوقه بثقله.
في الثقافات القديمة، كان يُعتقد أن الجاثوم هو “جني” أو “شيطان” يجلس فوق صدر النائم ليخنقه، بينما في العلم الحديث، هو مجرد خلل مؤقت في التوقيت بين الدماغ والعضلات أثناء مرحلة النوم العميق.
شكل الجاثوم وصفاته في الموروث الشعبي
اختلفت الشعوب في وصف هيئة الجاثوم، لكنها اتفقت على “رعبه”. إليك أبرز ما قيل عن شكله وصفاته في الأساطير:
- الخيال الأسود: يوصف غالباً بأنه ظل داكن جداً، لا ملامح واضحة لوجهه، يشبه هيئة رجل طويل يرتدي عباءة أو قبعة (وهو ما يُعرف بـ “رجل القبعة” في الثقافة الغربية).
- العجوز الشمطاء: في بعض الثقافات (مثل الثقافة الإنجليزية القديمة “Old Hag”)، يُصور على شكل امرأة عجوز قبيحة تجلس فوق صدر الضحية.
- الثقل الخارق: من أهم صفاته “الوزن”، حيث يشعر الشخص بأن هناك جبلًا أو كتلة ضخمة تضغط على قفصه الصدري، مما يسبب ضيقاً شديداً في التنفس.
- العيون المحمرة: تزعم بعض الروايات الشعبية أن له عيوناً تتوهج باللون الأحمر تظهر بوضوح في الظلام.
التفسير العلمي: ماذا يحدث للجسد فعلياً؟
بعيداً عن الأساطير، يفسر الأطباء الجاثوم بظاهرة “شلل النوم”.
- مرحلة حركة العين السريعة (REM): خلال هذه المرحلة من النوم، يحلم الإنسان، ويقوم الدماغ بإرسال إشارات لإرخاء العضلات تماماً (شلل مؤقت) لمنع الشخص من تمثيل أحلامه في الواقع وإيذاء نفسه.
- الاستيقاظ الخاطئ: يحدث الجاثوم عندما يستيقظ العقل قبل أن تنتهي مرحلة شلل العضلات. يكون الوعي قد عاد، لكن الجسد لا يزال في وضعية “الإغلاق”.
- الهلوسة: نتيجة لوجود الشخص في حالة بين النوم واليقظة، يقوم الدماغ بدمج عناصر من الأحلام في الواقع، مما يسبب هلوسات بصرية وسمعية (رؤية أشباح أو سماع أصوات).
أسباب تكرار زيارة “الجاثوم” لك
هناك عوامل تزيد من احتمالية حدوث هذه التجربة المزعجة:
- الحرمان من النوم: عدم انتظام ساعات النوم هو السبب الأول.
- النوم على الظهر: أثبتت الدراسات أن وضعية الاستلقاء على الظهر تزيد من فرص حدوث شلل النوم.
- القلق والتوتر: الضغوط النفسية تجعل الدماغ في حالة تأهب غير طبيعية.
- الاضطرابات الجينية: أحياناً يكون الأمر وراثياً في بعض العائلات.
كيف تتعامل مع الجاثوم إذا داهمك؟
إذا وجدت نفسك عالقاً في قبضة الجاثوم، لا تقاوم بعنف لأن ذلك سيزيد من شعورك بالذعر والضغط. اتبع الآتي:
- الهدوء النفسي: ذكّر نفسك بأنها حالة علمية مؤقتة وستنتهي خلال ثوانٍ.
- تحريك الأطراف البسيطة: ركز طاقتك كلها على تحريك “إصبع واحد” من يدك أو قدمك، أو حتى تحريك عينيك يميناً ويساراً بسرعة؛ هذا يرسل إشارة للدماغ بأنك استيقظت فعلياً.
- تنظيم التنفس: حاول التنفس بهدوء قدر الإمكان لتقليل تسارع ضربات القلب.
خاتمة
يبقى الجاثوم تجربة إنسانية غامضة ربطت بين العلم والخيال لقرون طويلة. وسواء كنت تراه “زائراً من عالم آخر” أو “خللاً في كيمياء الدماغ”، فإن الحقيقة الأهم هي أنه حالة عابرة لا تسبب ضرراً جسدياً دائماً، وغالباً ما تختفي بمجرد تنظيم ساعات نومك وراحة بالك.